ابن عربي
49
فصوص الحكم
يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجلَّيه له . وقد كان الحق سبحانه ( 1 ) أوْجَد العالم كله وجود شبحٍ مَسوًّى ( 2 ) لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوَّة . ومن شأن الحُكمْ الإلهي أنه ما سوَّى محلًا إلا ويقبل ( 3 ) روحاً إلهيّا عَبّر عنه بالنفخ فيه ، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض التجلي ( 4 ) الدائم الذي لم يزل ولا يزال . وما بَقي إلا قابلٌ ، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس . فالأمر ( 5 ) كله منه ، ابتداؤه وانتهاؤه ، « وإِلَيْه يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه » ، كما ابتدأ منه . ( 3 - ا ) فاقتضى الأمرُ جلاء مرآة العالم ، فكان آدم عينَ جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة ، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبَّر عنه في اصطلاح القوم « بالإنسان الكبير » . فكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية . فكل قوة منها محجوبة بنفسها لا ترى أفضل من ذاتها ، وأَنَّ فيها ، فيما تزعم ، الأهلية لكل منصب عالٍ ومنزلة رفيعة عند الله ، لما عندها من الجمعية الإلهية مما ( 6 ) يرجع من ذلك إلى الجناب ( 7 ) الإلهي ، وإلى جانب حقيقة الحقائق ، و - في النشأة الحاملة لهذه الأوصاف - إلى ما تقتضيه الطبيعة الكلية التي حصرت قوابل العالم كله أعلاه وأسفله . وهذا لا يعرفه عقل بطريق نظر فكري ، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشف إلهي منه يُعرف ما أصل صور العالم القابلة لأرواحه . فسمِّي هذا المذكور
--> ( 1 ) ساقطة من ب م ن ( 2 ) امستوى ( 3 ) ب م ن إلا ولا بد أن يقبل ( 4 ) ن المتجلي ( 5 ) اوالأمر ( 6 ) ب م ن بين ما يرجع ( 7 ) االجانب .